أخلاقيات زراعة الأعضاء

By rooneey

الموضوع في ست نقاط هي:

أولا: الرأي بين الاجتهاد الفردي والاجتهاد الجماعي.

ثانيا: المقصود بزراعة الأعضاء.

ثالثا: الخلايا والأنسجة التعويضية المطلوبة.

رابعا: الصلة بين خلايا المخ وبين الشخصية المتفردة للإنسان (وظيفة المخ).

خامسا: مصادر زراعة الخلايا والأنسجة في المخ والجهاز العصبي.

سادسا : أخلاقيات لزراعة الأعضاء.

أولا : الرأي بين الاجتهاد الفردي والاجتهاد الجماعي:

التقدم العلمي والتخصص المتعمق في الطب البشري والحيواني، وتطلعات البشرية لإيجاد حلول لمشاكل ومعوقات الجسد الإنساني القابل للبحث والاختبار والتجريب والمرتبة بالروح –هي التي من أمر ربها- ذلك التعمق وهذه التطلعات لا يكفي فيها وجهة النظر الشرعية الفردية، بل الحاجة قائمة إلى وجهة النظر الشرعية الجماعية المتعاونة مع وجهة النظر التخصصية الميدانية.

ونحمد الله تعالى أن وجدت على نطاق العالم الإسلامي من المنظمات والمؤسسات التي تحقق الجماعية في الاجتهاد والتعاون في مجال البحث وإصدار الأحكام الشرعية، كمجمع البحوث الإسلامية ومجمع الفقه الإسلامي والمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية، وقد بحثت المؤسستان الأخيرتان الموضوع محل الحديث اليوم في بعض الندوات الفقهية الطبية للمنظمة ومؤتمرات المجمع.

ثانيا : المقصود بزراعة الأعضاء:

التطلع البشري والخيال العلمي لا حدود لهما، وفي مجال النظرة المستقبلية ظهر في الفقه الإسلامي اتجاه (الأرأتية) وهو اتجاه يعنى ببيان الحكم الشرعي لقضايا لم تحدث بعد، والسائل سواء كان أستاذا أو دارسا أو مستفتيا يسأل عنها بقوله: أرأيت لو كان كذا فما الحكم؟.

لكننا لا نريد أن نسبق الأمور حتى نصل إلى الشطحات النظرية، بل علينا أن نبحث في الأمور الطبية نظرة واقعية مبنية على التدرج والبحث في الممكن حاليا من غير قطع للنظر عن الاحتمالات المستقبلية، فهذه السياسة أقرب إلى الوصول إلى الحقائق الربانية في خلق الإنسان الذي هو آية من آيات الله، (له في كل شيء آية تدل على أنه الواحد).

وبناء على هذه السياسة والتوجه لن يكون حديثنا اليوم عن زراعة المخ بكامله أو عن تركيب رأس مقطوع لجسد إنسان تهشم رأسه ولم يبق منه إلا حركة الحياة اللاإرادية.

ولقد حدد المتخصصون في الجراحة الطبية المجال المتاح للتجريب الآن -بعد أن انتهوا من محال نقل القلب والكلى والقرنية ونحوها- في زراعة خلايا المخ وأنسجة الجهاز العصبي في الدماغ.

كما بينوا الهدف من زراعة خلايا المخ في هدفين:

1- علاج القصور في عمل بعض الخلايا في المخ عن إفراز مادتها الكيميائية أو الهرمونية بالقدر السوي.

2- عبور فجوة في الجهاز العصبي نتيجة التلف الحادث من الإصابات.

ثالثا: الخلايا والأنسجة التعويضية المطلوبة:

يحدد المتخصصون الخلايا والأنسجة المطلوب زراعتها بخلايا وأنسجة المخ لجنين باكر (10-12 أسبوعا) على اعتبار أن هذه الخلايا قابلة للنمو وللاتصال بغيرها من الخلايا في المكان الذي توضع فيه من الدماغ.

رابعا: الصلة بين خلايا الخ وبين الشخصية المتفردة للإنسان (وظيفة المخ) :

هذه القضية -من وجهة نظري- من أهم القضايا التي تتعلق بزراعة خلايا المخ، حيث يدور البحث عن وظيفة خلايا المخ؟ فهل هي مخزن تختزن فيه الخبرات التي تمر بالإنسان خلال حياته كلها من مسموعات ومرئيات وملموسات ومشمومات ومذوقات، وهي في نفس الوقت مصدر التفكير والاستنتاج والابتكار والتدبر والإرادة والسلوك، ومصدر العواطف والإيمان؟ أي أنه (المخ بخلاياه كلها) أساس الشخصية الإنسانية. هذه وجهة نظر يقتنع بها الماديون على وجه العموم.

ووجهة نظر أخرى ترى أن المخ بخلاياه ليس مخزنا ولا مصدرا وإنما هو وسيلة أو وسيط بين الجسد وبين الروح، فالمخ بخلاياه آلة توصيل للخبرات والسلوكيات بين الجسد والروح، إنه حينئذ جهاز استقبال وإرسال، يستقبل من الجسد ويرسل إلى الروح، ويستقبل من الروح ويرسل إلى الجسد.

وقد نقل الدكتور محمد نعيم ياسين رئيس قسم الفقه المقارن والسياسة الشرعية بكلية الشريعة -جامعة الكويت في محاضرته التي ألقاها في الندوة الفقهية الطبية السادسة التي أقامتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت عام 1410هـ -1989م، في بحثه عن حكم زراعة خلايا الدماغ والجهاز العصبي أن هذا الرأي قد صرح به كل من تكلم في خصائص الروح كابن تيمية وابن القيم والغزالي والفخر الرازي والشيخ محمل حسنين مخلوف وغيرهم.

وإنا أميل إلى الرأي الأخر وهو أن المخ جهاز توصيل للإرسال والاستقبال بين الجسد والروح، واستدل على ذلك بما يلي:

1- يطلق القرآن الكريم على الروح كلمة أو مصطلح “النفس” الدالة على أنها ليست مجرد قوة كقوة الكهرباء التي تجري في الأسلاك فتشعل المصابيح وتحرك الآلات، بل هي خلق له إرادة وتصور وتعقل، ولذلك وصفها في القرآن أحيانا بالمطمئنة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) (الفجر:27-28). وأحيانا باللوامة: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة:2). وأحيانا بالأمارة: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (يوسف:53).

2- تشير بعض آيات القرآن الكريم إلى النفس بأنها مصدر السلوك الذي يؤثر على الجسد كقوله تعالى: (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) (النساء:79). وكقوله تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعات:40). وقوله: (فإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً)(النساء: 4) وقوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) )وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء:111)

2- (النساء:111)، و قوله: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

3- يفرق القرآن الكريم بين الجوارح وعملها، كقوله تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (لأعراف:179)، وقوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46).

4- يشير القرآن الكريم إلى أن محل المساءلة أمام الله تعالى هو السمع والبصر والفؤاد من الإنسان وذلك في قوله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36). فمحل المسئولية هو السمع وليس الأذن، والبصر وليس العين، والفؤاد وليس القلب، إذ السمع والبصر والفؤاد من متعلقات الروح بينما الأذن والعين والقلب من متعلقات الجسد.

والذي سيفصل في هذه القضية نتائج التجارب لزرع خلايا المخ، وإن كان زرعها لن يفيد كثيرا في هذه المرحلة من مراحل الزراعة حيث يتم اختيار الخلايا لزراعتها من الجنين الباكر قبل أن تنفخ فيه الروح وقبل أن تختزن فيها الخبرات -على النظرة الأولى – أو تمر به – على النظرة الثانية -.

خامسا: مصادر زراعة الخلايا والأنسجة في المخ والجهاز العصبي

تقسم هذه المصادر إلى قسمين: (انظر الشكل المرفق)

1- من الإنسان نفسه (خلايا من الغدة الكظرية -الفوق كلوية-).

2- من غير الإنسان المعالج. وهذه تكون من مصدرين:

أ‌- حيواني.

ب‌- بشري. والبشري يؤخذ من مصدرين:

· خلايا جنينية مستزرعة.

· خلايا جنين باكر(10-12 أسبوعا) ويسمى السقط.

والسقط يمكن أن نقسمه إلى أربعة أقسام:

1- السقط الطبيعي (الذاتي)، وقد يسمى القهري أو القسري عند البعض.

2- السقط الاختياري (الإجهاض).

3- السقط الضروري (لإنقاذ حياة الأم).

4- السقط الطلبي (الحمل بقصد إسقاطه واستعمال جزء منه للزراعة).

والنظر الشرعي في هذه الأقسام كما جاء في توصيات الندوة الفقهية الطبية السادسة التي أقامتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية والقرارات التي اتخذها مجمع الفقه الإسلامي في دورتيه الرابعة والسادسة كما يلي:

1- لا بأس بزرع الخلايا المأخوذة من الغدة الكظرية للمريض نفسه.

2- لا مانع من زرع الخلايا المأخوذة من جنين حيواني إن أمكن نجاحها ولم يترتب على ذلك محاذير شرعية.

3- لا بأس بزرع الخلايا المستزرعة إذا كان المصدر للخلايا المستزرعة مشروعا وتم الحصول عليها على الوجه المشروع.

4- يجوز زرع الخلايا المأخوذة من السقط الطبيعي والسقط الضروري لإنقاذ حياة الأم.

5- لا يجوز التعرض للمولود اللادماغي (وهو الذي له جذع الخ) بأخذ شيء من أعضائه إلى أن يتحقق موته بموت جذع الدماغ، ولا فرق بينه وبين غيره من الأسوياء.

6- لا يجوز أخذ الخلايا من الجنين الإنساني في بطن أمه بفتح الرحم جراحيا، ويحرم ذلك شرعا إلا إذا كان بعد إجهاض طبيعي غير متعمد أو إجهاض مشروع.

ويظهر من هذا أنه لا يجوز شرعا الاستفادة من السقط الاختياري (الإجهاض الاختياري) لأنه غير مشروع، ولا يجوز الاستفادة من السقط الطلبي (الحمل المقصود استعماله أو جزء منه لزراعة الأعضاء) لأنه بانعقاد النطفة واستقرارها في رحم الأم أصبحت حملا محترما شرعا تتعلق به أحكام شرعية وله شخصية محترمة شرعا كبداية تكون الإنسان وإن لم تنفخ فيه الروح لأن مصيره إلى نفخها بإذن الله تعالى.

سادسا: أخلاقيات لزراعة الأعضاء

قررت المجامع الفقهية والمنظمات والندوات الإسلامية مجموعة من الشروط والأخلاقيات التي يجب على العاملين في مجال زراعة الأعضاء أن يتبعوها –ليؤجروا على عملهم وينأوا بها عن الإثم-، ومن أهم هذه الأخلاقيات والشروط:

1- ألا يمتهن الإنسان في أي لحظة من لحظات حياته من تكونه إلى وفاته وبعد وفاته عملا بقوله تعالى: (ولقد كرما بني آدم).

2- البعد عن التمثيل بالإنسان أو أجزائه، لنهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن المثلة حتى بالحيوان.

3- ألا تكون عمليات النقل والاستزراع وسيلة للتجارة والربح.

4- ألا يوجد بديل عن هذه العمليات للنقل والاستزراع، بحيث يكون إجراؤها ضروريا.

5- الظن الغالب بالنفع المتوقع من عملية النقل والاستزراع.

6- إذن من تؤخذ منه الأعضاء أو ورثته أو أولياؤه أو ولي الأمر إن كان المتوفى مجهول الهوية أو لا وارث له ولا أولياء.

7- أن يكون مصدر النقل والاستزراع مشروعا والنقل والاستزراع مشروعين أيضا.

8- آلا يكون في النقل والاستزراع محاولة لتغيير خلق الله.

اترك رد